صحيفة الاقتصادية السعودية
رودولفو سيـفيرينو
يفترض أن يذكرنا اقتراب نهاية عام 2008 بهذا اليوم قبل 30 عاماً الذي شهد انطلاق سلسلة أحداث غيرت التاريخين الآسيوي، والبشري. وتبنى الحزب الشيوعي الصيني في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1978 انفتاح الزراعة الصينية على عالم المزارع الخاصة، والصغيرة في تحول رئيس عن سياسة ماوتسي تونج الخاصة بالمزارع المشتركة الكبرى. غير أن تراكمات عوائد هذه المزارع استخدمت في الارتقاء بالمراكز الخاصة بالمدن، ولا سيما على الشاطئ الشرقي، الأمر الذي زاد من فجوة مستوى الدخل بين هذه المنطقة الساحلية، وغيرها من المناطق الداخلية الفقيرة، وكذلك بين المدن والريف، وبين أغنياء الصين وفقرائها.
غير أن التحول الكبير في السياسة الاقتصادية أدى إلى ارتفاع كبير في النمو الاقتصادي الصيني، وكذلك ارتباط الصين بباقي العالم، وتحديث الصناعة الصينية، وكذلك النظام المالي، وتعزيز قدرات البلاد العسكرية، وتوسع نفوذ الصين الدولي. غير أن الأهم من ذلك هو أن هذه السياسات الجديدة انتزعت أعداداً كبيرة من الناس من براثن الفقر، خلال أقصر فترة إنقاذ شهدها التاريخ، حيث نقص عدد من كانوا يعيشون على دولار أو دولارين يومياً، من 800 مليون شخص إلى 100 مليون شخص. كما أثر التطور الاقتصادي إيجابياً في توسيع الحريات الشخصية، وزيادة مستويات المعيشة بما لم يتمتع به الصينيون منذ عدة عقود. ويمكن أن يعزى معظم ذلك إلى صلابة الإرادة، وسعة الرؤية، والجانب العملي الواضح لدى دينج هيسياوبنج، حيث أصبح منذ كانون الأول (ديسمبر) من عام 1978، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، علماً أنه كان الزعيم الفعلي للصين. ولا تقتصر قوة إرادته على مرونته في النجاة من حالتي نفي، وتطهير، بل تمتد إلى سعة أفقه فيما يتعلق بتصور مستقبل البلاد. واشتهر مذهبه العملي في تصريحه عام 1961 حين قال "ليس من المهم أن تكون قطة بيضاء، أو سوداء، طالما كان باستطاعتها صيد الفئران".
واتضح جانبه العملي كذلك بوصفه نظام الصين أنه "نظام شيوعي بمواصفات صينية"، وبحرصه على البحث عن الحقيقة من خلال تفحص الوقائع الفعلية. وليس هذا الشهر هو فقط الذكرى الـ 30 لانطلاق سياسة فتح الصين لاقتصادها أمام التخصيص، والأسواق العالمية، بل إنه مناسبة لتذكر ذلك الرجل، وتقديم التحية له. وقد قابلته أول مرة في حزيران (يونيو) من عام 1975، حيث كنت ضابطاً في وزارة الخارجية الفلبينية، ورافقت الرئيس فرديناند ماركوس في زيارته للصين. وكان زهو انلاي، رئيس مجلس الدولة في الصين مريضاً في أحد مستشفيات الجيش الشعبي الصيني، حيث وقع مع ماركوس البيان المشترك لقيام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث كانت مناسبة عرف بها الزعيم الصيني ضيفة على بنج، وبقية أعضاء الوفد. وتولى بنج المحادثات مع ماركوس، حيث كان يوصف بأحد اثنين في الزعامة الصينية مما يتبعون الطرق الرأسمالية في إدارة الاقتصاد. وكان الآخر هو الرئيس الصيني، ليو شاوكي.
وشملت عملية التطهير عام 1969، بنج، الذي كان سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي الصيني منذ عام 1957، وذلك خلال الثورة الثقافية البروليتارية (1966- 1976)، حيث تم إرساله إلى مصنع للجرارات يتولى فيه مهام يدوية في إقليم جيانجسي. وأعيد الاعتبار إليه بعد تشخيص إصابة زهو بمرض السرطان عام 1973، وأصبح نائباً لرئيس المجلس في نيسان (أبريل) من عام 1973، حين استطاع إدارة الحكومة انطلاقاً من ذلك الموقع. وارتقى بعد أقل من سنة إلى منصب رفيع في البوليتبيرو، أو المكتب السياسي، كما أصبح النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، إضافة إلى أنه تولى نيابة رئيس الحزب الشيوعي.
كنت أتولى تسجيل الملاحظات في محادثات الرجلين، غير أنه تم التحفظ على ملاحظاتي، دون أن أستطيع الحصول على نسخة منها، نظراً للطبيعة السرية للمحادثات. ومع ذلك، فإنني أتذكر وصف دينج للسياسة الصينية إزاء بحر الصين الجنوبي، إذ دعا إلى تأجيل النظر في مطالب السيادة المتناقضة على الأراضي القريبة من بحر الصين الجنوبي، وعلى جانب من مياهه، على أن يتم الدخول في نشاطات تعاون مؤقت لاستغلال إمكانيات تلك المنطقة.
توفي زهو في عام 1976، حيث وصلت بعد ذلك لأشغل وظيفتي في سفارة الفلبين في بكين، حين واجهت جموعاً من المتظاهرين الهاتفين "يسقط دينج هيسياوبنج" الذي تعرض للتطهير ثانية في ذلك اليوم.
وكانت جماهير ذات توجه مختلف قد احتجت بضراوة على إزالة المنشورات والملصقات التي كانت قد وضعت تقديرا لشوان لاي عند النصب التذكاري لأبطال الشعب في ميدان تيان إن من، يوم الخامس من نيسان (أبريل). وكان ذلك يوم كنج منج، الاحتفال بتكريم الموتى.
وفيما يتعلق بدنج اكسياوبنج، كمنافس في الصراع الضاري على السلطة، الذي كان يحتاج البلاد، فإن عصابة الأربعة - زوجة ماو الطموحة، جيانج كنج، والعامل المثالي وانج هونجوين، والناشط السياسي وعمدة شنغهاي السابق زانج شونكياو، والمنظر والدعائي ياو وينسيوان - ربطوا دنج بالاحتجاجات وقاموا بتطهيره.
وفي الثامن من أيلول (سبتمبر) 1976 توفي ماو تسي تونج، وفي الشهر التالي تم اعتقال عصابة الأربعة. وهوا جوفنج، الذي حل محل زو كرئيس للوزراء، خلف ماو كرئيس للحزب، وعاد دنج إلى التنعّم بحظوة الحزب والحكومة، وأزاح هو كرئيس للوزراء في عام 1980، وكرئيس للحزب في عام 1981 لمصلحة حلفائه.
وفي آذار (مارس) 1978 قام لي اكسيانيان، نائب رئيس الوزراء والرئيس لاحقا (1983- 1988) للصين بزيارة رسمية إلى الفلبين، وكقائم بالأعمال في السفارة دعيت للانضمام إلى نائب رئيس الوزراء في طائرته.
وكان دنج اكسياوبنج في استقبالنا في مطار بكين القديم، وبينما كنا ننتظر وصول لي اكسيانيان، ووزير الخارجية هوانج هوا وبقية أعضاء الحزب، انخرط دنج معي في حديث ليس طويلا، وأتذكر أنه تساءل فيما إذا كنت تعلمت تحدث الصينية ، فأجبت أنني كنت قد أخذت دروسا لكن الوقت كان دائما مشكلة.
والمرة التالية التي شاهدت فيها دنج كانت خلال الحديث في زونجنانهي، مقر الحكومة في الصين، الذي دار بينه وبين الرئيس الفلبيني كورازون اكينو، عام 1988، ولم أقابله أبدا بعد ذلك.
وتغير الكثير في الصين في السنوات العشرة من عامي 1978 و1988، وفي الحقيقة، وفي الوقت الذي تركت فيه منصبي في بكين في نهاية عام 1978 كانت بوادر التحول في الصين قد بدأت تظهر فعلاً: قمصان السيدات الصينيات الملونة مكان التنورة ذات اللون الواحد والبناطيل الفضفاضة من حقبة ماو، والرقصات التي ترعاها الدولة في القاعة ذات الأضواء الساطعة في قصر الأمة والصينيون والأجانب الذين يزور بعضهم بعضا في بيوتهم، وتوسع الأعمال الخاصة.
ومنذ عودته الثانية إلى السلطة لم يتولّ دنج اكسياوبنج أي منصب حكومي عدا منصب رئيس اللجنة المركزية العسكرية، مع أنه مارس سلطات كبيرة. وفي عام 1989 تنحى من ذلك المنصب، وشكل مثالا لقيام زعيم رفيع المستوى بالتخلي طواعية عن المنصب. وكزعيم ذي سلطة عليا شهد دنج إصلاحاته تؤتي ثمارا وفيرة في التصنيع الذي يقوده التصدير، الانفتاح أمام الاستثمارات الخارجية والتجارة الخارجية، والتمويل من خلال الضرائب أو من خلال النظام البنكي، ولا مركزية اتخاذ القرارات الاقتصادية.
وأشرف على نجاح المناطق الاقتصادية الخاصة ولاسيما تحويل شنزهن من مجرد محطة سكك حديد وبوابة للهجرة والجمارك إلى مصدر تصنيع لعشرة ملايين شخص وغابة من ناطحات السحاب.
وبعد زيارته للولايات المتحدة عام 1979 ترأس تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن.
ووجه بروز الصين كقوة عالمية، ومات دنج في شباط (فبراير) عام 1997 عن عمر 92 عاما، وبذلك فاتته مشاهدة عودة هونج كونج إلى الصين في أواسط ذلك العام.
واليوم، وبسبب عوامل ليست من صنع الصين فإن الاقتصاد الصيني مصاب بالأزمة المالية العالمية، وهناك الآن تساؤل حول ما إذا كانت الإصلاحات التي وضعها دنج اكسياوبنج في مسارها قبل 30 سنة ستمكّن الصين ليس فقط من الصمود أمام الاضطرابات الحالية بل تخدم كمحرك يساعد في إخراج الاقتصاد العالمي منها.
حقوق النسخ © بواسطة . جميع الحقوق محفوظة. موقع الصين بعيون عربية جميع الحقوق محفوظة.