كتاب يتناول العلاقة بين جباري العالم القادم
تأليف:مارتين بولارد
ترجمة وعرض:بشير البكر
(صحيفة الخليج الإماراتية أيام الخميس الجمعة والسبت 18 ـ 19 و20 أيلول/ سبتمبر 2008)
يقال عن الهند بأنها بلد تأملي ويقال عن الصين بأنه بلد شغّال، وفي المحصلة النهائية نحن أمام بلدين نهّابيْن آسيويين مزعومين للانتصار المعلن للنيوليبرالية. إن دخول هذين العملاقين الآسيويين إلى المسرح العالمي يغذي كل أنواع الكليشيهات والأفكار الجاهزة. لكن على نقيض هذه النظرات المسبقة والمغلوطة في غالب الأحيان، تحرص المؤلفة مارتين بولارد Martine Bulard، وهي باحثة اقتصادية مرموقة ومديرة مساعدة للشهرية الفرنسية “لوموند ديبلوماتيك”، ومسؤولة عن قطاع آسيا، على وضع تطور التنين الصيني والفيل الهندي في زمن التاريخ الطويل، وتنهمك في تفكيك المحركات الخفية للتغيرات الجارية وللملامح المشتركة وللاختلافات ولمظاهر التقدم والانسدادات. وترسم في النهاية مقارنة وتوازياً محدداً وحياً ما بين الهند والصين، وذلك في كتابها الصادر حديثا عن دار “فايار” في باريس، تحت عنوان “الصين الهند: سباق التنين والفيل”
تستهل الكاتبة كتابها من المثل الصيني الشهير: "الذين يتحدثون هم لا يعرفون شيئا، والذين يعرفون هم لا يقولون شيئا". هذا المثل لا ينطبق فقط على الصين، بل إن الغربيين بدأوا يعرفون صدقيته حين اكتشفوا في ذهول وفي وقت متأخر انبثاق الصين ثم انبثاق الهند.
التنين الصيني والفيل الهندي فرضا نفسيهما في القضايا المعاصرة للعالم في وقت واحد تقريبا، تفرق بينهما ما يقارب عشر سنوات. وقد عرفا معا انحطاطا بطيئا ابتداء من القرن الثامن عشر، وتقريبا في نفس الحقبة، بعد أن عرفا معا إشعاعا مدويا. ولا تجد الكاتبة حرجا في التأكيد على أنه "خلافا للأفكار السائدة فإن التقدم ليس حركة مستمرة، انطلقت من أوروبا ومن ثورتها الصناعية لتنتشر في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تستقر في آسيا، بفضل الشركات المتعددة الجنسيات الغربية". وتضيف أنه مضى وقت كانت فيه الصين والهند في الأماكن المتقدمة لإنتاج السلع والابتكارات العلمية، قبل أن تمّحيا أمام الغرب. وتواصل الكتابة هدمها للأفكار الخاطئة الرائجة عن هذين البلدين الآسيويين، فتكتب: "لا يمكن تفسير الانحطاط عن طريق "قِيم آسيوية" رافضة بجموح للحداثة الصناعية، ولا يمكن تفسير العودة الحالية بانبعاث "حس فطري للعمل" لصيق بكل آسيوي. كما أن المؤلفة تصحح خطأ غربيا شائعا، وهو الخلط بين الثقافتين الصينية والهندية، وهو ما تعتبره هرطقة كلية، على الرغم من الروابط العلمية والدينية والثقافية التي نسجت عبر قرون.
طموح صيني هندي
في الماضي اضطرت الهند كما الصين إلى مواجهة قوى خارجية نهّابة: الكولونيالية البريطانية عند إحداهما، وقضم وتقطيع الأراضي(من قِبل البريطانيين والفرنسيين والروس واليابانيين) عند الأخرى. وبالفعل فإن تأثير الاستعمار سيظل في الأذهان، وهو ما "يدفع البلدين معا إلى استخدام سلاح العولمة من أجل استعادة سلطة سياسية وتكنولوجية واقتصادية، وذلك من أجل الحصول على وزن في شؤون العالم". وتقول الكاتبة ان طموح البلدين كبيرٌ جدا، خصوصا وأن كليهما عاش النصف الثاني من القرن العشرين وهو يتصور نفسه يلعب فيه دورا ما. وتفسر هذا الشعور بالاعتزاز من خلال التأثير الذي لعبته الصين عبر النموذج الماوي، الذي استطاع أن يفتن الكثيرين من المثقفين الغربيين وخصوصا الفرنسيين منهم، مع الثورة الثقافية التي ادعت إلغاء العديد من التراتبات في حين أنها كانت تصنع تراتبات من طبيعة أخرى. أما الهند فمن خلال توجهها العالمثالثي وتبنيها سياسة عدم الانحياز، وهو ما كانت ترى فيه: "حلا أصيلا يتيح الإفلات من الهيمنة السوفييتية ومن الهيمنة الليبرالية الأمريكية". و"بعد فشل السياستين معا، بحث الاثنان عن تحديد للسياسات التي تتيح لهما الخروج من العزلة الدولية السابقة، من أن تصبح (أو تستعيد) قوى جذابة في المنطقة، وفي العالم. وخلافا لما يبدو للناظر فإن النموّ ليس هدفا في حد ذاته لدى البلدين، بل إنه وسيلة لكل اعتراف دولي".
سباق التنين والفيل يزعزع المعطيات الدولية. وهو ما يُرى بشكل واضح على المستوى الاقتصادي، كما ترى الباحثة. العالم بأسره شاهد منتجات وسلعا تحمل عبارة "صنع في الصين"، والكثيرن سمعوا أو جربوا مراكز الاتصال السلكية واللاسلكية من أقصى القارة الهندية، إلا أنه لا يمكن اختزال النمو الصيني إلى منتجات رديئة النوعية موجهة للتصدير. وقد بدأت الشركات الصينية تصنع موادَ بالغة التعقيد أكثر فأكثر، كما أن ما يقرب من 40 في المائة من الثروة التي يتم إنتاجها تستخدم للاستثمارات الداخلية. كما أنه لا يمكن اختزال الهند في الخدمات المعلوماتية، التي تهدد بقوة العمال الغربيين، القلقين من مخاطر نقلdélocalisation بعض القطاعات (خدمات ما بعد البيع، علم المحاسبة). إلا أن تمدد النمو الهندي هو بالتحديد تطورها الداخلي (البنى التحتية التي سيتم تشييدها، والصناعة التي سيتم تحديثها). والمستجد الجديد في العلاقات الدولية، كما ترى الباحثة يكمن في أن "التراتبية الدولية وجدت نفسها في وضعية مضطربة. فموازين القوى التجارية، من الآن فصاعدا، بدأت تنقلب: فالفائض صيني بينما العجز أمريكي وأوروبي". وبطبيعة الحال لا يزال التفوق للمجموعات الغربية الكبرى (في ميادين اختيار الانتاج والفوائد)، ولكن عمال الدول الغنية يتعرضون لضغوط في ما يخصّ الأجور والعمل، بينما يشتغل عمال آسيا في ظروف سيئة. "إلا أنه لا يمكن أن نغفل أن كثيرا من الصينيين ومن الهنود يجدون في هذه الوظائف فرصة لحياة أفضل". وثمة مستجدات جديدة مع هذا الظهور المفاجئ للقوتين الآسيويتين، ومن بينها أن معطيات السباق على المواد الأولية تغيرت. فالولايات المتحدة وأوروبا المتعودتان على استخدامها كما شاءت، يتوجب عليهما من الآن فصاعدا أن تحسبا حسابا كبيرا للتنين الصيني والفيل الهندي وأيضا، وبشكل خاص، للدب الروسي، بسبب امتلاكه ثروات وموارد نفطية هائلة تثير لعاب الغرب، وأيضا بسبب استعادته للقوة الدبلوماسية. وهنا ترى الباحثة أن الكثيرين من المراقبين "يتنبأون بظهور محور روسي صيني هندي. ولكن على كل فالتنافس مفتوحٌ على مصراعيه".
ثمة المسألة المالية التي لا تخفى أهميتها. فالصين الشعبية تمتلك مدخرات مالية عملاقة من عملة الدولار، وهو ما يجعل هذا البلد يساهم في حالة الاحترام التي يحظى بها الدولار، "بل إن الصين تسمح لنفسها، أحيانا، بتعويم المؤسسات الأمريكية المهددة بالإفلاس، وهو ما تستخدمه لإظهار قوتها". وعلى العموم، كما ترى الباحثة، فإن الدول الآسيوية، عموما، وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية، طورت آليات مشتركة من أجل أن تظل بعيدة عن التبعية للتدفقات المالية الدولية.
الوقت تغير، كما ترى الكاتبة، ولم يَعُد صندوق النقد الدولي الذي توجهه الولايات المتحدة الأمريكية ويفرض قانونه، كما في السابق. وترى الكاتبة انه من دون شك ستصل موجة صدمة الأزمة الاقتصادية والمالية التي ولدت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ،2007 إلى الصين، المرتبطة جدا بالصادرات، والهند الأكثر هشاشة من الناحية المالية. ولكن ليس من الراجح أن تحمل الموجةُ القارةَ الآسيوية، كما كان الشأن أثناء دوامة 1997-1998. وللتذكير فقد احتاجت الدول الآسيوية، وبشكل خاص اليابان وكوريا الجنوبية، التي تعرضت للأزمة السابقة إلى عشر سنوات كي تتعافى.
تأثير الصين والهند في المسرح الدولي يترك بصمات أيضا على المسألة الإيكولوجية (البيئية). إذْ كما تقول الباحثة "بسبب هوسهما الكبير من أجل الإقلاع الاقتصادي، فَهُما، معا، لا يُعيران أي اهتمام لهذه القضايا البيئوية. وقد ساهمت تجهيزاتهما القديمة جدا وكذا استهلاك الطاقة المعتمد أساسا على الفحم، وظهور السيارة كعلامة خارجية على الثراء واستخدامها الكثيف، في تفجير المؤشرات الاقتصادية". وترى الباحثة أيضا أن التحولات السياسية والجيوسياسية التي ولدَها انبثاق القوتين الآسيويتين الجديدتين مهمة، على الرغم من كونها لا تزال متلعثمة وأقل مرئية. "وعلى الرغم من أن البعض يتصور بأن نمط التطور الصيني-غير متوازن وغير متساو واستبدادي وغير مستقر- فإنه بدأ يثير مُنافِسين في العالم". وتضيف بأن النموذج الصيني "ساهم في منح الثقة لنفوس مسؤولي بعض الدول المهمشة(مثل الفيتنام) والعديد من الأمم الإفريقية"، كما ان ظهور الصين منح الأمل للكثيرين و"أصبحت، من الآن فصاعدا، المتاجرة مع أكبر قوة اقتصادية في العالم، أي الولايات المتحدة الأمريكية، واردة من دون الخوف من الانسحاق. وترى الكاتبة أن نفس الشيء حدث في الحالة الهندية: "صحيح أن الهند لم يكن عليها أن تتحمل نفس التحديات الصينية(نظامها كان أقل تجمدا وقِواها الداخلية كانت أكثر انفتاحا) ولكن من الواضح أنّ الإقلاع الصيني كان كاشفا". وبعد الانهيار السوفييتي، استدارت الهند التي كانت شريكا مُفضلا للسوفييت على الولايات المتحدة الأمريكية، "بجنون المعتنق حديث العهد". وكم كانت الهند سعيدة بالاعتراف الأمريكي بحقيقة الدور "المواجه" الذي يمكن لها أن تلعبه في مواجهة التنين الصيني، الذي بدأ يقلق الأمريكيين. ولكن الهند سرعان ما اشتغلت لحسابها الخاص. ومما زاد من انحسار التحمس الهندي للنموذج الأمريكي هو أن الأرثوذوكسية الليبرالية، كما تراها واشنطن أبانت عن قصورها أثناء الأزمة الاقتصادية 1997-1998. بينما استطاعت الصين والهند، بدرجة أقل، الحفاظ على وسائل تنظيم اقتصادي كانت مُحرمَة في أماكن أخرى.
أمريكا مهيمنة وليست وحيدة
وترى المؤلفة "أنّ غرق الأمريكان في الوحل العراقي، وأيضا فشل حربهم التي يخوضونها عند أبواب آسيا، في أفغانستان، تولد شكوكٌ حول القوة العظمى الأمريكية". صحيح أنه في منطقة الباسيفيك لا تزال القوة الأمريكية كاسحة والتفوق مطلقا، تدعمها اليابان التي تلعب دور المساعد، "لكن الصين تقوم بتحديث سلاحها البري والبحري بسرعة قصوى. أما الهند، الحليفة(للأمريكيين) ولكن ليست منحازة بالضرورة(وإذن فهي ليست "مؤكدة")، تتبع الإيقاع (إيقاع التسلح)"، وحتى أستراليا، التي كانت رأس الحربة للاستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة الباسيفيك، فقد بدأت، بعد انتصار حزب العمال في الانتخابات، في الابتعاد والبحث عن هوامش للمناورة. "أصبحت واشنطن بعد انحسار هيمنتها العسكرية في المنطقة تعتمد على شركاء وليس على عملاء"، وتبدو الصورة قاتمة للعلاقات بين الصين والهند مع الأمريكيين، وهو ما تفسره الباحثة حين تقول: "إذا كان نموذج الاستهلاك الأمريكي يبدو أنه اكتسح كل مكان، وبشكل خاص أوساط الطبقات المتوسطة الهندية والصينية(ما بين 10 و20 في المائة من السكان)، التي كانت إلى حدود الأمس محرومة من كل شيء، فإن النزوع الوطني(إن لم يكن السياسي) ليس بعيدا، بما في ذلك النزوع الذي يسود وسط النخَب. وهكذا فالأثرياء الجدد الهنود يفضلون دعوة نجوم الأفلام البوليودية بدل دعوة شخصيات من العالم الآخر. كما أن قسما من الصينيين المستقرين في الولايات المتحدة الأمريكية يعودون للاستقرار في الصين، وهو ما لم يكن ممكنا مجرد التفكير فيه قبل عشرين سنة. إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تشكل جزءاً من الحلم الهندي أو الصيني، فإنها ليست القوة الجذّابة الوحيدة".
تبدأ الباحثة فصل "آسيا والوليمة الدولية"، بسرد مقولة الرئيس الصيني الإصلاحي الراحل دينغ هيسياوبينغ: "القرن الواحد والعشرون سيكون آسيويا، لكن بشرط أن تعمل الصين والهند معا من أجل تشييده". لم تنفذ هذه الوصية من قبل العملاقين، ولكن التطور مهم جدا. وتدخل الباحثة في التفاصيل بخصوص تاريخية العلاقات بين الجارين القويين. ونعرف أنه بعد ألفيات عديدة من الروابط التجارية والثقافية الوثيقة، أعقبتها حرب خاطفة(1962)، تلاها نصف قرن من الصراع الكامل، ثم عاودا اتصالاتهما السياسية بينما تميزت الروابط الاقتصادية بنمو سريع جدا. "إذ انتقل التبادل الاقتصادي من مستوى زهيد جدا(مليار واحد من الدولارات سنة 1997) إلى ما هو أكثر من 37 ملياراً سنة 2007. وقد استطاعت الصين أن تحل الشريك الاقتصادي الأول مع الهند، بعد أن تمكنت من إزاحة الولايات المتحدة الأمريكية. وتعمقت العلاقات خاصة مع زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو إلى الهند في تشرين الثاني/ نوفمبر من سنة 2006 التي تمخضت عن توقيع ما يصل إلى 13 اتفاقية، طالت ميادين متعددة من بينها الزراعة والطاقة والمال والمعلوميات.
وتشير الكاتبة إلى زيارة رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ الأخيرة للصين (يناير/كانون الثاني 2008) والتي التزم خلالها الطرفان بمضاعفة التعاون بين البلدين إلى مستويات مرتفعة حتى العام ،2010 وتتساءل: "هل يمكن مع كل هذا أن نقول بأن بكين ونيودلهي ستشيدان معا "القرن الحادي والعشرين الآسيوي"، حسب تعبير دينغ هيسياوبينغ"؟. هل يمكن الحديث عن تحالف؟ لا شيء يؤكد الأمر ولكن لا شيء يكذّبه. ولحد الساعة، ترى الباحثة، "أن التنين والفيل لا يفعلان سوى أن ينظر أحدهما إلى الآخر. الأول يحرص على تثبيت تقدمه بينما يحاول الثاني تجاوز تأخره"، الاثنان مهووسان بفكرة واحدة، وهي استعادة مكانهما في شؤون العالم. كما أن الاثنين مقتنعان، ومعهما حق، بأن القوة تُنال على الأرضية الاقتصادية. ومن هذه الناحية فإن نجاحهما مدوّ. وها هي معدلات النمو تثير لعاب القوى الاقتصادية الغربية: "ما يقرب من 2،9 في المائة بالنسبة للهند فيما يخص سنة 2006-2007 و5.10 في المائة بالنسبة للصين في سنة ،2006 بل ووصل المعدل في الصين إلى نسبة 1.11 في المائة سنة 2007. ولكن الباحثة تقول بأن هذا النمو الذي تشهده الهند والصين لم يكن استثناء، "فالكلّ منا لا يزال في أذهانه، تحديدا، صعودُ ما كان يسمى ب "بالتنينات الأربع" (كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ). "إلا أن الباحثة تستدرك الأمر وتقول: "إلا أنه توجد عوامل عديدة تساهم في تفرد الصين والهند، وبالتالي في أصالة وضعهما". وثمة عامل الأبعاد، فحين نتحدث عن الهند نتحدث عن "شبه قارة"، وحين نتحدث عن الصين نتحدث عن "قارة-دولة"، وهي أكبر من ناحية المساحة من الهند بثلاث مرات. كما أن عدد السكان يثير الذهول (31.1 مليار في الصين مقابل 09.1 مليار. في الهند). وكلا البلدين يضمان أكثر من ثلث سكان كوكب الأرض. وحين يتحرك البلدان فلا يمكن للعالم أن يظل لا مباليا. كما أنه يوجد عامل آخر يميز البلدين عن غيرهما من بلدان العالم. فمنذ سنة 1980 ضاعفت الهند، مرتين، من إنتاج ثروتها مقارنة بالسكان، في حين أن الصين ضاعفتها سبع مرات.
الرقص مع العمالقة
وتستعين الباحثة بدراسة أجراها باحثان من قبل وهما آلان وينترس وشهيد يوسف لحساب البنك الدولي، يؤكدان فيها أن الاقتصاد العالمي يتوجب عليه من الآن فصاعدا أن يتعلم "الرقص مع العمالقة"، وهو عنوان التقرير/الدراسة. ونقرأ في التقرير: "الثورة الصناعية أتاحت، لأول مرة في التاريخ، مضاعفة عوائد المواطنين مرتين في جيلين، في العصر الذهبي للولايات المتحدة الأمريكية تضاعفت عائدات المواطنين مرتين في جيل واحد. ووفق الإيقاع الحالي للعملاقين الآسيويين فإن العائدات يمكن أن تتضاعف مائة مرة في جيل واحد". وتستعين الباحثة بدراسات سابقة أجريت لدراسة الظاهرة الصينية الفريدة، وتستشهد بدراسة لكل من باري بوسوورث وسوزان م كولينس، وهي دراسة مقارنة ما بين الصين والهند. وفيها نقرأ: "توجد دولٌ أخرى في التاريخ وصلت إلى مراتب نموّ يمكن أن تُقارَن بالحالة التي وصلت إليها الصين. مثلا، ألمانيا واليابان ما بعد الحرب الكونية الثانية، أو كوريا الجنوبية أو تايوان. ولكن النمو الصيني مستمرٌ الآن ومنذ ربع قرن"، وتلاحظ الباحثة أن الصعود الصيني تم تجاهله خلال فترة طويلة في الغرب، على الرغم من أنه بدأ يتشكل من بداية سنة 1978 حين قرر دينغ هيسياوبينغ تشجيع بعض مبادئ السوق الرأسمالية وخلق لاحقا "مناطق اقتصادية خاصة"، من بينها أربع على الواجهة البحرية. وفي سنة ،1987 وأثناء المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي الصيني، نظّر الرئيس الصيني هيسياوبينغ الأمر بالقول: "التخطيط والشوق لا يشكلان الاختلافات الجوهرية ما بين الاشتراكية والرأسمالية. إن اقتصادا مُخططا لا يحدد الاشتراكية ما دام أنه يوجد تخطيطٌ في الرأسمالية؛ إن اقتصاد السوق يوجد في الاشتراكية. التخطيط والسوق وجهان للتحكم في النشاط الاقتصادي". وفي سنة 1982 سيتم ابتكار معادلة تقول: "اشتراكية السوق". أما الهند فقد تم الاعتراف بوقتها في وقت متأخر. وقد تعرضت بالفعل للعديد من الأزمات حالت دون بزوغها المدوي سنة ،1991 واجهت الهند أزمة اقتصادية حادة لا سابق لها حيث تضافرت عوامل داخلية(وبشكل خاص الدين العمومي المنفجر) مع عوامل خارجية غير ملائمة. وبالفعل ساهمت حرب الخليج الأولى سنة ،1991 في ارتفاع أسعار البترول المستورد وحرم البلد من تحويلات العمال الهنود الذين يشتغلون في منطقة الشرق الأوسط (140 ألفا في الكويت). كما أن انهيار الاتحاد السوفييتي يعني في آن واحد انهيارا للأسواق وانخفاضا شديدا لمبادلات المواد والمنتجات الحساسة وبشكل خاص في الميدان العسكري... إذا فما على الهند سوى الاستدانة.
الصين هي الأخرى أثر عليها حدثان مهمان: انفجار الاتحاد السوفييتي، كما هو الشأن بالنسبة للهند، - لكن لأسباب مختلفة بشدة - والاحتجاجات الداخلية في حزيران/ يونيو ،1989 وما تبعها من مجزرة ساحة تيانامين. وتحلل الباحثة بألمعية، رد الفعل الصيني على انهيار الاتحاد السوفييتي. فتكتب: "ليس ثمة من ندم على اختفاء الأخ العدو السوفييتي، الذي كان مكروها بشكل خاص. ليس ثمة من انعكاس اقتصادي كبير على الرغم من أن إمكانية شراء مواد معقدة، خصوصا في المجال العسكري، تبخرت بشكل مفاجئ. وتضيف: "إن الذي جذب انتباه أجهزة الحزب الشيوعي الصيني هو أن سياسة الانفتاح التي قادها ميخائيل غورباتشوف تؤدي إلى أسوأ الكوارث"، واختلفت القيادة الشيوعية الصينية على مسألة الإصلاحات، لكن الجميع اتفق على مبدأ "العمل وفق النظام". لقد فهم هيسياوبينغ الأمر من قبل حين باشر الإصلاحات. وكما تقول الباحثة نقلا عن دبلوماسي سابق عمل في باريس: "إما الإصلاحات، وإما الموت المؤكد". والصينيون، كما ترى الباحثة، هم من أنصار نظرية: "الماركسية البراغماتية": أي التغيير والاستقرار مترابطان. وتفسر لنا الباحثة أسباب وأسرار ثورة تيانامين، والتي لا يعرفها الكثيرون الذين يرفضونها إما لأنها تستهدف نظاما اشتراكيا، أو يؤيدونها لأنها تبحث عن الحرية في عالم توتاليتاري خانق. وتكتب: "إن متمرّدي ساحة تيانامين لم تكن لهم أسباب سياسية فقط. كما يشير إلى ذلك مؤرخ الأفكار وانغ هوي. إن الطلبة، بطبيعة الحال، لعبوا دورا ما في الاعتصام، لأنّ التحرر الفكري و"أنوار" سنوات الثمانينات، جرفت الإيديولوجيات السابقة وفتحت آفاقا جديدة في الفكر النقدي". وتواصل: "إن صدمة 1989 تمثل، بصيغة ما، أول ثورة اجتماعية ضد الليبرالية ذات النكهة الصينية، بسبب "التفاوتات بين الطبقات والشرائح الاجتماعية وبين الأفراد"، وإذا كانت الهند والصين تمتلكان نقاطا مشتركة (نمو قوي، دور الدولة في الاقتصاد)، فإنه لا يمكن أن نَتَمَثل إحداهما في الأخرى. إن النمو لا يتتبع نفس الإيقاع في كلا البلدين: 5.6 في المائة سنويا بين سنتي 1993 و،2004 في الهند؛ 7.9 في المائة بالنسبة للصين. كما أن الاختلاف المركزي الذي يتعلق بمحتوى ديناميتهما الاقتصادية فهو يُلخص عادة بالقول: الصين هي ورشة العالم بينما الهند هي المكتب.
تعود الكاتبة لتعقد مقارنات بين الصين والهند فنقرأ أن الصين حين تخلت، في بدايات الإصلاحات، عن "اشتراكية التخطيط" واستبدلتها ب "اشتراكية السوق" كانت قد بدأت: "ثورة ثقافية جديدة سجلت بداية انقلابات أثرت بعمق على المجتمع الصيني، قبل أن تنفجر في وجه العالم مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001. ومع مرور السنين أصبح الكوكب الأرضي غارقا في منتجات من نوع "صنع في الصين". أما الهند، فهي أكثر تواضعا. وفي فرنسا لم يعرف الفرنسيون أهمية الهند الاقتصادية حتى عرضت مجموعة ميتال الهندية شراء أرسيلور سنة 2007".
الماضي يستعيد مجده والعملاقان الآسيويان يقتحمان العالم
تعاني الهند من مشكلة تلوث الماء بسبب استخدام الأسمدة وجرف الغابات، في حين أن التلوث الجوي أقل حدة، ولو أن زيادة التصنيع والوصول الكثيف للسيارات الفردية سيضاعف من أهميته.وتقول الكاتبة إن الغرب بدأ يقلق، ولكنه يكتفي باقتراحه (على الصين والهند) الامتناع، وهو ما يجعله في وضعية مريحة. ولكن الباحثة توجه نقدا قاسيا للموقف الغربي وهي تستعرض ما ورد في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية (نوفمبر/تشرين الثاني 2007)، تحت عنوان: “لا، لا، لا، لا تتبعوا الولايات المتحدة”، وفيه يحثّ الصحافي الأمريكي الشهير توماس ل. فريدمان الهند على ألاّ تنتج السيارة الصغيرة “تاتا” بثمن 2500 دولار، الأرخص في العالم.
تقول الباحثة: “نعم عنده حق، أي الصحافي فريدمان، في وصفه للأضرار الفادحة التي تتسبب فيها السيارة، واقتراح استعمال كثيف لوسائل المواصلات العامة(الباصات)، في العاصمة، لكن بشرط تحديث وتأمين السياقة(حوادث السير رهيبة في الهند). إلا أنه لا يمكننا أن نلوم هؤلاء على بحثهم عن وسائل الرفاهية التي لا نريد نحن أن نمنع أنفسنا عنها، ونحن لا نتوقف عن تقريظ نموذجنا نحن للاستهلاك”. وتتحدث الباحثة عن الابتزاز الذي تمارسه الدول الغربية على الهند والصين كما على دول العالم الثالث، في ما يخصّ نقل الشركات والمصانع إلى هذه الدول.
“نقل الشركات والمصانع الغربية إلى الدول الصاعدة يتسبب في بعض المشاكل. عملاق التأمين “أكسا” قرر تحويل جزء من خدماته المعلوماتية إلى الهند. شركة رينو(الفرنسية) نفذت اتفاقا سنة 2007 من أجل إنتاج سيارة رخيصة مع طرف هندي. كما أن شركة بيجو(الفرنسية) ستنتج مع الصين الجيل الجديد من الدراجات النارية، والقائمة تطول”.، وتنقل الباحثة عن الباحث روبرت رووتورن قوله: “شركات الشمال تستخدم عامل الخوف من نقل شركاتها في الجنوب كي تتفاوض وتقنع العمال بقبول أجور منخفضة”.وتورد الباحثة مقارنة للأجور ما بين الغرب ودول العالم الثالث. تكتب: “مقابل 100 دولار يحصل عليها العامل الأمريكي يحصل العامل الهندي على 6،1 دولار بينما العامل الصيني يحصل على 7،1 دولار بل 8،7 دولار إن كان محظوظا، أي من شنغهاي”.
وتكشف الكاتبة ان الشركات الصينية ساهمت في إنقاذ العديد من المؤسسات الأمريكية من الإفلاس، و”من دون الأموال الصينية، كان الاقتصاد الأمريكي سيكون أقل تفتحا”.، في تموز/ يوليو من سنة 2007 ترأست هيلاري كلينتون، وكانت حينها مرشحة ديمقراطية للرئاسة الأمريكية، وفدا من النواب للمطالبة بإرساء الحدود الجمركية والإلحاح على إعادة تقويم اليوان (العملة الصينية). ولكن رد السلطات الصينية كان حادا. كسيا بين، مسؤول القضايا المالية في مركز الأبحاث حول التنمية (بمرتبة وزير) فسّر بطريقة علمية، لا تخلو من تحذلق، بأن الصين يمكنها أن تبيع احتياطاتها الضخمة من الدولار(مقدرة ب900 مليار على 1430 مليار من الاحتياطي المالي الكلي)، وحينها ستتسبب في انهيار العملة الخضراء. إن مثل “هذا الخيار النووي”، كما قال كسيا بين، محددا، لا يتمناه أحدٌ.
تنهي الباحثة هذا الفصل بهذه الخلاصة التي وإن كانت لا تمنح للصين فتحاً مبيناً، فهي على الأقل تتحدث عن قوتها في إيلام الأمريكيين، أيما إيلام”. هذا السلاح المالي الصيني، سلاح ذو حدين، ما دام أن الصين بدورها ستجد عملتها وقد فقدت من قيمتها. ولكن الأمر يشهد على قوة التغيرات التي حدثت على الكوكب الأرضي. إن الصين التي لا تزال تظهر كونها شيوعية، لا علاقة لها بما كان عليه الاتحاد السوفييتي المنهار.... إن الحقيقة اليوم: القرن الواحد والعشرون لن يكون لا أمريكيا ولا آسيويا. إنه سيكون، على الأرجح، قرن القوة المقتسمة”.
انتقام التاريخ
يبتدئ هذا الفصل بمقولة للديبلوماسي والكاتب الهندي فيد فياس(ولد سنة 1956) مقتبسة من كتابه: الرواية الهندية الكبيرة: “لا توجد من نهاية لقصة الحياة. لا توجد سوى وقفات. إن النهايةَ، اليومَ، بعد كل شيء، ليست سوى بداية الغد”.
تقول الباحثة إنه من الصعب جدا حين نتحدث، طويلا، مع صيني أو هندي، سواء من النخبة أم من غيرها، شبابا أم كهولا، ألا نسقط في الحديث عن الماضي الخالد، مرفقاً بالأمل في استعادة توازنات الماضي، حين كان البلدان يمتلكان مكانة في النظام الاقتصادي والدبلوماسي على مقاسهما.إن التفوق الهندي والصيني في الماضي يعود إلى الألفية الأولى: “في سنة ،1300 كان الاقتصاد الصيني هو الأقوى على الكرة الأرضية، أي بتعبير الدخل الفردي، كما يفسر الباحث أنغوس ماديسون، الذي قام بأبحاث تاريخية امتدت على مرحلة تاريخية طويلة. في ميدان التكنولوجيا والاستخدام الكثيف للموارد الطبيعية والقدرة على إدارة إمبراطورية شاسعة، تفوقت الصين على أوروبا”.
عرفت الهند نفس الأشياء: فقد استخدمت في ماضيها النافورات ذات الأصل الفارسي، كما شيدت سدودا وقنوات، واستثمرت زراعات الصيف والشتاء أنّى كان ذلك متاحا.
تكتب الباحثة: “إن فكرة آسيا متخلفة لا يمكن قبولها. في سنة ،1600 أي في الوقت الذي أنشئت فيه الشركة البريطانية للهند الشرقية، أي رمز الاستعمار، كانت الهند تنتج 6.22 من الثروات الدولية، في حين أن جارتها الصين كانت تنتج 29،2 في المائة. ومجموع الدول الآسيوية (عدا اليابان) كانت تنتج مجموع 62،9 في المائة”.، وتواصل الباحثة شرح الكثير من الحقائق التاريخية، التي تفند كون المستعمرات كانت متخلفة والتي تمنح شرعية للاستعمار في تحديث مستعمراته، أو ما يسمى بالدور التحديثي للاستعمار. “التجارة مع باقي العالم كانت تتطور بخطة متلاحقة. وشيئاً فشيئاً كانت القوافل والسفن تنتقل من الربط ما بين شرق الصين وآسيا الوسطى، عبر شبه القارة الهندية، إلى أفريقيا وأوروبا. وكانت التنقلات تحدث على الأرض. الجميع سمع أسطورة “طريق الحرير” التي فتحت في القرن الثاني الميلادي، كما كانت تحدث على طريق البحر”، أول بحرية صينية أنشئت سنة 1232 وتطورت إلى درجة أنها كانت تضم 52000 رجل، بعد قرن فقط من إنشائها.
وبالنسبة للهند، وإلى حملة فاسكو دي غاما(1498) ووصول البرتغاليين، فقد كانت تتحكم في الملاحة في المحيط الهندي وتسيطر على الطرق البحرية.و”بالإضافة إلى كونهما كانتا قوتين اقتصاديتين، فقد كان العملاقان قوتين علميتين وتكنولوجيتين. إن تطور المعارف والتقنيات كان يوجد في هذه المنطقة من الكرة الأرضية. “المثال الأكثر دلالة يظل هو الرياضيات، خصوصا مع رسالة العالم الهندي المتبحر أريابهاتا، التي كتبها في القرن الخامس، وأعمال تلامذته براهماغوستا وباشكارا. وقد حددت هذه الأعمال ضمن ما قامت به النظام العَشْري واستخراج الجذْر التربيعي والمكعبات، أولى مبادئ حساب المثلثات، والصفْر (الذي نسب خلال فترة طويلة إلى العلماء العرب الذين شهروه بطريقة ما). إن إسهام أريابهاتا حاسمٌ في ميدان علم الفلك. إنه يبيّن، قبل كوبرنيكوس، بعشرة قرون، أن الأرض تدور حول الشمس، وقسم السنة إلى 365 يوما، وبيّن قوة جاذبية الأرض (يجب انتظار نيوتن والقرن الثامن عشر، كي يتم الاعتراف بها في أوروبا)، وأخيرا قام باكتشاف رقم ط (النسبة التقريبية)...”.
وتواصل الباحثة عرض الحقيقة العلمية التي كان الصينيون قد وصلوا إليها: “هذه الاكتشافات انتشرت في العالمين العربي والصيني، واغتنت بشكل متبادل. وهكذا، في القرن السابع الميلادي، سيعتبر الصيني يي كسينغ (672-717) “أكبر عالم فلكي وعالم رياضيات في عصره”، حسب العالم والمؤرخ جوزيف نظام، الذي قام بعمل موسوعي حول الاختراعات الصينية. لقد كرّس للأمر ثلاثين سنة من عمره، تاركا سبعة عشر جزءاً. وكانت قائمة الاختراعات مذهلة. لنذكر الورق، قبل المسيح؛ طباعة أول كتاب في العالم(ترجمة بالصينية لنصّ سانسكريتي، يعود إلى سنة 402)؛ الحفريات العميقة؛ الطباعة بحروف متحركة (قبل غوتنبيرغ بأربعة قرون)؛ صناعة الساعات الميكانيكية؛ صناعة الفولاذ، والتذويب، البوصلة(في القرن التاسع)، الجسور المعلقة، إلخ”.
شيء من التاريخ
تستشهد الباحثة بأنغوس ماديسون، الذي يكتب في مُؤلفه: “الاقتصاد العالمي: منظورٌ ألفي”: “إلى حدود القرن الخامس عشر كانت مختلف مجالات التقدم ترتبط بنقل التكنولوجيات من آسيا والعالم العربي”.، ويذكر الباحث ماديسون ضمن مجالات التفوق الصيني على الغرب، بناء السفن ما بين سنتي 1405 و1453. “كانت حملاتهم البحرية تستطيع الوصول إلى إفريقيا. أول حملة قادها زهينغ هي، الذي أطلق عليه لقب “أدميرال بحار الغرب”، تم إطلاقها سنة ،1405 قبل قرن تقريبا من فاسكو دي غاما، أول أوروبي استطاع أن يدور حول رأس الرجاء الصالح. العمليات البحرية الصينية كانت تروم إلى إبراز قوة وغنى الامبراطورية أكثر مما ترمي إلى القيام بعمليات تجارية. إن هذا الغياب للمحفزات التجارية والمالية هو ما يفسر من دون شك التخلّي السريع عن هذه الحملات وكذا التكنولوجيات المتعلّقة بها. كما أن انقسامات البلاط وتهديدات الغزو دفعت الامبراطور إلى التخلي عن البحر لفائدة اليابسة. وهكذا ستتخطى الهند الصين. وتصبح أكبر مشيدة للسفن في المنطقة. ولكن هذا لم يمنع الصين من توسيع أراضيها، ولكن الغزوات كانت تتم عن طريق البرّ. وفي نهاية القرن الثامن عشر، كانت الصين تسيطر على منشوريا ومنغوليا وتركستان الشرقية والتبت وتهيمن على فيتنام وكوريا وبرمانيا واللاوس وجزر ريوكيو(أوكيناوا)”.، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الهند، وتستعرض الباحثة بدايات تشكل الامبراطورية الهندية، فتتحدث عن الشكل الأول للوحدة مع امبراطورية “مورايا” في الهند الشمالية، 321 قبل الميلاد، ودامت إلى 185 قبل المسيح، ومن بين أهم أباطرتها البوذي أشوكا(269-232 قبل الميلاد)، وتميّز بتأليف منشورات، عبارة عن قانون للآداب موجه إلى حكام الأقاليم. وفيها يرى أن “كل المعتقدات للشعوب الأخرى تستحق التبجيل لسبب أو لآخر”. ويحدد بالتالي أن “الملل الأخرى يجب تشريفها حسب الأصول في كل الظروف والمناسبات” ويرى هذا البوذي، أيضا، أنه “يتوجب إرساء علاقات ودية مع الشعوب المجاورة وتكريس قواها لفتح العقول وإرساء حكم العدالة الكونية[...]، وتنمية المناطق الخاضعة، وتكريس الضرائب لتشييد الطرقات والمستشفيات والآبار”.. وتعلق الباحثة على الأمر، على هذه المقولات والحكم، بالقول: “من المؤكد أنه لم يتم تطبيق هذه الأحكام، ولكنها تنمّ عن ضرورة سياسية ملحة لا تُطبق إلا نادرا في وقتنا هذا، على الرغم مما يقال لنا لامتداح ما يُسمى ب “الحكامة”gouvernance.. الغربية بالضرورة.
المرحلة الثانية من الوحدة الهندية تشكلت ابتداء من القرن الرابع مع توسع امبراطورية غوبتا (319-510)، التي عرفت دينامية فنية قوية، امتد إشعاعها إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرقية.
المرحلة الثالثة نشأت مع الأمراء المسلمين الذين سيحكمون الهند من 1206 إلى 1707 والمغول أكبر (1556-1605) هو الذي نجح في توحيد الامبراطورية وأرسى قواعد دولة حديثة. أقام إدارة حقيقية، مقسما الامبراطورية إلى خمس عشرة محافظة يسيرها حاكم وأربعة وزراء، مخترعا نظام تجميع للضرائب، سيستخدمه البريطانيون، لاحقا.
تستعرض الباحثة مظاهر من الحكمة الهندية، وتتحدث عن هذا الامبراطور المسلم في بلد أغلبية سكانه من الهندوس: “ كان واعياً بأنه يدير بلدا أغلبية سكانه من الهندوسيين، فاتبع سياسة انفتاح على النخَب غير المسلمة، وأشركها معه في الحكم. وأكّد أنه “لا يمكن إزعاج أي كائن لأسباب دينية، وبأنه من حق أيّ كان اعتناق الدين الذي يشاء”. ولا يفوت الكاتبة أن تذكّر أنه في هذه الفترة من التسامح الديني الذهبي في الهند، كانت فرنسا تضطهد المسيحيين البروتستانتيين.
دور الاستعمار الغربي
هذا في ما يخص الهند، أما الصين فتكتب الباحثة: “أنها عرفت أيضا انتفاضات فلاحية مهمة، واجهت صعود زعماء الحرب. يضاف إلى هذا ما يسميه المؤرخ ألان روكس “الرؤية المركزية الصينية” للعالم، من قبل المسؤولين والموظفين الصينيين الكبار، الذين أبانوا عن “نقص في الفضول تجاه “الأشياء البربرية (المتوحشة)”. ويفسر المؤرخ أن الصين “ساهمت، بطريقة حاسمة، في تشييد دول اليابان والفيتنام وكوريا، التي استعارت منها الكونفوشية والبوذية، وهو ما منحها نظرة استعلائية واستقوائية على الآخرين، وهو ما ساهم، من دون شك، في الاستخفاف بهؤلاء الأوروبيين، الذين اعتبرتهم “برابرة”. ولكن هؤلاء “البرابرة” بدأوا في كتابة صفحة جديدة من تاريخهم الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي والسياسي. حين انطلقوا لغزو أمريكا اكتشفوا مزايا التجارة الثلاثية(عبيد تم شراؤهم من القارة الإفريقية، وتم بيعهم في أمريكا لاستخدامهم كعمال في المزارع، شحنات من المنتجات النادرة في طريق العودة إلى أوروبا)، وهو ما ضاعف من الرأسمال. بالإضافة إلى الحروب التي لم تتوقف على مسرح القارة الأوروبية طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهو ما جعل المؤرخ البريطاني كريستوفر أي بايلي يقول: “الأوروبيون أصبحوا الأفضل حين يتعلق الأمر بالقتل”.
الاستعمار الغربي لم يكن فقط مُهدما للاقتصادات. إنه أيضا، وكما أشار إلى ذلك بافان ك. فارما: “عامل تفكيك هوياتي. المٌستعْمَرُون يصبحون موضوع فضول داخلي وينتهي بهم الأمر إلى استبطان الصور النمطية عن أنفسهم التي يقدمها المُستعْمِرون أو المُستوطِنٌون”. إنه سحقٌ ثقافي يظل راسخا في الذاكرات”.
إننا نشهد، حاليا، في الهند كما في بريطانيا، تعددا للأشغال التي تستهدف مختلف وجوه الكولونيالية.
تقول الباحثة إنها لا تريد الادعاء بأنها تسرد ولا أنها تحسم هذا النقاش التاريخي والسياسي. لكنّ ثمة حقيقة لخّصها جيدا الكاتب ويليام دالريمبل William Dalrymple، بالقول: “إذا كانت الامبراطورية البريطانية سهّلت أشغال السقي وأتاحت إنجازات تقنية كبيرة، من دون نسيان الوظيفة العامة، فإنها أشرفت على التدمير السياسي والثقافي والفني للهند، وعلى تدمير ثقة الهنود في أنفسهم”.، وتَطَلبَ الأمرُ انتظار عقود عديدة من أجل الانطلاق في البحث عن الهوية الضائعة، من خلال اقتفاء طرق منحرفة أحيانا. ولكن الطريق مفتوحة.
وفي نهاية هذا الفصل تعود الباحثة إلى الاستعانة ب ويليام دالريمبل حين يكتب: “إن الانبثاق الحالي للصين والهند ليس سوى عودة إلى التوازن القديم”. إن إهانة الأمس غذّت شعورا قوميّا حيّا. دينامية اليوم تمنح الأمل في عالم يكون فيه لآسيا مكانُها الكامل.
النمو عند أقدام الصلصال
يبدأ كونفوشيوس، الفيلسوف الصيني العظيم، هذا الفصل بِحِكَمِه: “إذا كنتم تفكّرون بتعبير سنة فازرعوا البذور؛ وإذا كنتم تفكرون بتعبير عشر سنوات فاغرسوا شجرة؛ وإذا كنتم تفكرون بتعبير مائة عام فَرَبّوا الشعب”.
على الرغم من الإنجازات الاقتصادية المثيرة للزهو في كلا البلدين، فإن المسؤولين يُظهرون بعض القلق إزاء نفسية شعبيهما.وتقول الكاتبة ان التذمر قوي في الصين، وحتى المسؤولون السياسيون الصينيون لا يريدون إخفاءه الآن. وعلى الرغم من التصريحات المهدئة للرئيس الصيني هو جينتاو، قبل انعقاد المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر/تشرين الأول ،2007 حول البناء المتدرج ل “مجتمع متناسق”، فإنه خلال المؤتمر وعلى الرغم من سرده لنجاحات الحكومة، فهو دقّ ناقوس الخطر: “يجب أن نكون واعين تمام الوعي بوجود فارق، لا يمكن تجاهله بين ما أنجزناه وبين ما ينتظره الشعب منا. [...] إن قدرة الحزب الشيوعي على ممارسة السلطة ليست على ما يرام”.
النمو الاقتصادي أو ما تسميه الباحثة بالدينامية الاقتصادية، أحدثت بعض الاختراقات ولكن الفجوة بين الأغنياء والفقراء لا تفتأ تزداد.
“قسم السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد يوميا تقلص ما يقرب من عشر نقاط ما بين 1999 و2004 في بعض الولايات الهندية مثل البنجاب أو كيرالا نزل هذا الرقم إلى مستويات غير مسبوقة، أي إلى 6 في المائة في البنجاب وإلى 12،7 في المائة في كيرالا. ولكن في مجموع البلد فإن الفقر المطلق(أقل من دولار واحد يوميا) يظل كبيرا بحيث أنه يمس هنديا واحدا من بين ثلاثة هنود (34،3 في المائة)...”، الوضعية في غاية البؤس: “في المجموع، 80 في المائة من الهنود يتوجب عليهم أن يعيشوا بأقل من دولارين يوميا. وحدها قلةٌ زهيدة قادرة على تذوق “مزايا” الاستهلاك الجماهيري على الطريقة الغربية”.، إلا أن ثمة شيئاً تحرص الباحثة على توضيحه بخصوص وضعية صعود القوتين الآسيويتين، وهو أن “الهند على الرغم من أنها أكثر فقرا من جارتها الصين(أكثر فقرا مرتين)، فإن عدم المساواة فيها يبدو أقلّ منه مقارنة بالصين. فحسب مؤشر جيني Gini للبنك الدولي، الذي يرسي سلّما ينطلق من صفر(المساواة الكاملة) إلى 100(عدم التساوي المطلق)، فإن الهند تتموقع في مستوى 32،5 بينما تأتي الصين في درجة 44،7. وللمقارنة فالولايات المتحدة الأمريكية تأتي في مستوى 40،8 وفرنسا في مستوى 32،7.. صحيح أن الصين تظل تحت الأرقام القياسية لدول أمريكا اللاتينية ( 59،1 للبرازيل و58،6 لكولومبيا و57،1 الشيلي) أو الدول الإفريقية (57،6 لجنوب إفريقيا و50،6 في نيجيريا )”.
الوضعية لا تبشر بخير، وهي دليل على أن الشعب كله لا يستفيد من النمو الاقتصادي الذي يُسيل لعاب حتى الدول الغربية، خصوصا في هذه الفترة القاسية من الركود الاقتصادي العالمي.صحيح، تقول الباحثة، أن مؤشر جيني، الذي يتيح مقارنات دولية، لا يحلل سوى فروق الاستهلاك، إلا أنه غير كافٍ لقياس حجم التصدعات الاجتماعية. وهكذا فحين نأخذ بعين الاعتبار خصائص أخرى من الحياة اليومية، من قبيل الوصول إلى العلاج والمدرسة، ونأخذ بعين الاعتبار أيضا بمؤشر التنمية البشرية(على الرغم من مظاهر قصوره)، فإن الهند تجد نفسها في أسفل السُلم في المرتبة ،126 أي بعيدا عن الصين(مرتبة 81) وبالكاد فوق برمانيا(مرتبة 130) أو بنغلاديش(مرتبة 137).
الهند لا تكرس ما يكفي من الأموال للصحة، فقط 8،4 في المائة من مجمل الناتج الداخلي، أي أقل بكثير من الدول المتقدمة(11 في المائة) ولكن مثل الصين التي تظهر نتائج أفضل. الهند تتوفر على 6 أطباء بالنسبة لكل 1000 مواطن، مقابل 1،5 عند الجار الصيني.وتتفوق الصين على الهند في كثير من الأشياء والميادين، وهو ما تستعرضه الباحثة. “نجحت الصين في محاربة الأمية: 91 في المائة يعرفون القراءة والكتابة والعدّ. (...) قسم كبير من الأطفال (90 في المائة حسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية) تتمدرس. ومبدئيا القانون في الصين يحرم تشغيل الأحداث الذين لم يتلقوا تسع سنوات من الدراسة الإلزامية”. ولكن في الصين، كما تقول الباحثة: “من السهولة الالتفاف على القوانين، التفاف لا يعرف حدا”.
تأتي الهند، بشكل مباشر، خلف الصين في عدد الشباب في السلك الثالث من التعليم الجامعي، مظهرة “مستوى عال من تكوين نُخَبِها”.
تصل الكاتبة إلى مسألة العمل النقابي فترى وضعيتها السيئة في البلدين، وإن كانت الحالة في الصين أكثر قتامة، بسبب من ارتباط التنظيمات النقابية بالسلطة السياسية وبالحزب الشيوعي الصيني.
“على خلاف المنظمات الصينية المرتبطة بالسلطة، فإن النقابات الهندية نشيطة، وخاصة في القطاع العام. يتعلق الأمر بمنظمات تخوض نضالات حقيقية، وبشكل خاص، من أجل حقوق المرأة، بما في ذلك أثناء العمل حيث تقل أجورهن عن أجور الرجال، وأحيانا يتعرضن لسوء المعاملة أو يمنعن من ممارسة بعض الوظائف (كنادلات في مقاه)”.
الحصيلة قاتمة شيئا ما في بلد التنين وبلد الفيل. إلا “أن أجور الكوادر العليا في المناطق الأكثر تطورا ازدادت بقوة، في البلدين معا. هل يتعلق الأمر بوميض أمل للمستقبل؟”
إن اختزال الصين في مجرد نوع من “ورشة العالم” والهند في “مكتب الكرة الأرضية”، هو نسيان أن العملاقين يظلان قوتين فلاحيتين. هذا إذا اعتبرنا من يعيشون من العمل على الأرض: ثلاثة عمال على خمسة في الهند، وما يقرب من 44 في المائة في الصين. والمؤسف هو أن هؤلاء يظلون بعيدين عن الاستفادة من النمو الذي يشهده البلدان، كما أنهم يتعرضون للإهمال من قبل المسؤولين المحليين، وتتناساهم وسائل الإعلام. و”ساءت أحوال الأغلبية منهم في السنوات الأخيرة. والحصيلة سيان عند الجارين”. وترسم الباحثة لوحة قاتمة للوضعية التي يعيش فيها الفلاحون الصينيون والهنود. وخصوصا بعد سنوات التسعينات. “عرفت الفترة انخفاضا في الإنتاج وفي المحاصيل، مقارنة بحصيلة العقود السابقة. حسب تقرير منظمة الفاو. وللدلالة على خطورة الأوضاع هو “لجوء العديد من الفلاحين إلى الانتحار”. وتقول صحيح أن الظاهرة بدأت هامشية، “ولكن سرعان ما أصبحت جماهيرية: أكثر من 150 ألف فلاح أقدموا على الانتحار ما بين سنتي 1997 و،2005 حسب ما قاله وزير الزراعة الهندي شاراد باوار. ومعظم حالات الانتحار تتم عن طريق مبيدات الحشرات، فيموتون في ظروف بالغة الفظاعة؛ وفي بعض الحالات يتم شراء هذه الأدوية بأثمان باهظة بالاستدانة ولا يستطيعون سدادها”.
ما هي الأسباب التي تفسر هذه الوضعية الكارثية، البشرية والاقتصادية؟ تتحدث الباحثة عن أسباب كثيرة:
العالم القديم يحتضر والجديد يتأخر بزوغه
أولاها: بنية المِلْكية والوصول إلى الأرض. القطعات الأرضية ظلت صغيرة، وهو عائق كبيرٌ. السبب الثاني نابعٌ من تغييرات نمط الإنتاج. “إذ باسم تطوير وزيادة الإنتاج، وباسم زراعة مُعَوْلَمة، حثت السلطات العامة وأعوانها المزارعين على زراعة غلال جديدة، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة. وفي بعض الأحيان نرى بعض الفلاحين يغتنون. السبب الثالث يَكمُن في فخّ الديون. فحتى بالنسبة للزراعة التقليدية يواجه المزارعون ارتفاع أسعار المخصبات الكيماوية التي أصبحوا يحتاجونها أكثر فأكثر. السبب الرابع يتمثل في وصول الشركات متعددة الجنسيات، وهو ما يعني في نهاية المطاف وجود ثلاثة أمريكيين يهيمنون على السوق الزراعية: كارجيل وأرشير دانييلس ميدلاند ومونساتو. “هذا النظام له رنين تاريخي قديم ويحيل إلى الصفقات الملزمة والجائرة مع المنتجين في الشرق الهندي، في بدايات المرحلة الكولونيالية”. ثم تأتي بعد ذلك قضية الماء واستقالة الدولة. إذْ بالنسبة للعديد من الفلاحين كلّ شيء يتعلق بالسماء.
“يقضون وقتهم في انتظار الرياح الموسمية الغزيرة كي تأتي بما يكفي من الماء، متمنين ألا تكون مدمرة. عَدُوّان يجب أن يُخْشى منهما: نقص الماء أو كثرته”. والمهم هو أن الزراعة هي كعب أخيل بالنسبة للبلدين “وإذا كانت الصين تتباهى ب”تقديم الغذاء ل22 في المائة من سكان المعمورة على 7 في المائة من أرض الكوكب الأرضي”. حسب المعادلة التي يكررها المسؤولون الصينيون آلاف المرات، فهي لا تزال بعيدة عن الخروج من الأزمة الزراعية. بالتأكيد، “على خلاف الهند، فإن الفقر المطلق ليس مهيمنا”.، على الرغم من وجود 220 مليوناً من البشر(من بين 900 مليون من القرويين) لا يزالون يعيشون تحت عتبة الفقر. ولكن يتوجب على بكين، كما نيودلهي، أن يفكرا في الانتقال إلى زراعة أكثر إنتاجية على نمط لا يكون هو نمط الغرب( تكلف البيئة غاليا)، وفي العمل على تكييف للسكان لا يقود إلى الهجرة وإلى توسع مدن الصفيح”.
وتنهي الباحثة هذا الفصل بالخلاصة التالية: “يتوجب على العملاقين أن يعملا وحدهما، لأن المنظمات الدولية، مثل منظمة التجارة العالمية، تركّز على الموديلات المهيمنة. لكن يتوجب عليهما أن يتصرفا بسرعة، وإلا فإن القرويين سيعلنون، ببعض الضجيج، أنهم لا يستطيعون البقاء كمنسيي النموّ الأبديين”.
البحث عن موديل جديد
تستعين الباحثة بمقولة شهيرة لجنرال صيني قديم، هو سون تْزُو(القرن الرابع قبل الميلاد)، حين يقول: “اجذبوا الخصم من خلال وعدٍ بفائدة؛ خذوه إلى الشرَك متصنّعين الفوضى؛ إذا ارتمى إلى الوسط، دافعوا عن أنفسكم؛ وإذا كان قويا، تجنّبوه”. وتقول الكاتبة إن ثمة من المحللين من يرى أن الغرب ونموذجه قد غزَوَا العالم بصفة نهائية وأغرقا آسيا. ووفق هذه النظرة فإن الصين تخلت عن كل ماضيها الشيوعي وازدانت بالبهارج الرأسمالية، الكونية بالضرورة. وفي ما يخص الفيل الهندي، الذي هو ثقيل الحركة، فهو لن يتأخر في تبني موديل العولمة السعيدة. وتضيف الباحثة: “إننا، باختصار، نشهد في بداية هذه الألفية انتصارا مُعمما لتغريب الكرة الأرضية”.
هل نحن سائرون بالفعل نحو موديل موحد كوني؟
هل هذا التشخيص واضح كما يبدو من أول وهلة؟ هل نحن سائرون إلى عالم موحد ومتجانس أم أن ثمة أنماطا أخرى من التنمية يمكنها أن ترى النور وتمنح جاذبية للدول الفقيرة؟
لا تجد الباحثة سوى أن تقول إن الواقع أكثر تعقيدا وأكثر تناقضا مما يبدو من الوهلة الأولى.
ترى الكاتبة أنه لا حاجة لنا لدراسات معمقة كي نستنتج أن الصين، اليوم، هي رأسمالية أكثر مما هي شيوعية.
أما الهند التي عرفت من جهتها، دائما الرأسمالية العائلية، حتى أثناء الاحتلال البريطاني، فقد قامت بشكل تدريجي، بتفجير السدود التي وضعها زعماؤها التاريخيون من أجل حماية موديلهم الوطني، كي تسمح، هي الأخرى، للقواعد الرأسمالية، التي طالما انتقدتها، بالولوج إلى البلاد.
نقاشات كثيرة تخترق الأوساط الاقتصادية الهندية والصينية في الطريقة التي يحب أن يُتَعَامَلَ بها مع الرأسمالية أو الليبرالية الزاحفة. “السلطات الهندية لا تزال تحافظ على بعض السيطرة على المبادلات المالية. ولمن نسي الأمر فإنّ هذا التحكم والمراقبة الدولية هما اللذان أنقذا الهند من السقوط، مع غيرها من الأمم، أثناء الأزمة المالية الآسيوية خلال سنة 1997- ،1998 وقد كان جوزيف ستيغليتز، وهو حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، ومسؤول سابق في البنك الدولي، واضحا حين قال: “ليس من المصادفة أن يكون البلدان السائران في طريق النمو اللذان سَلِمَا من الأزمة المالية هما الصين والهند”. البلدان معا قاوما ليبرالية الأسواق. واليوم يتعرضان لضغوط من أجل الخضوع للنموذج الليبرالي”.
إن المخاطر كبيرةٌ، والصين كما الهند، اختارت، في سنوات الخمسينات والستينات، كل واحدة على طريقتها، تشجيع موديل تعويضي لموديلي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي. ومع سياسة عدم الانحياز بالنسبة لأحدهما، و”الطريق الماوية” (الدامية) للآخر، لم ينجح أي منهما. “في الوقت الراهن، اختارت الصين، التي هي ليست ليبرالية بشكل كامل، ولا غارقة في المأزق الشيوعي السابق، رأسمالية الدولة، من أجل رفع تحديين: التعاون مع الدول الأكثر ليبرالية ومحاولة انتقاد هيمنتها، في المستوى الاقتصادي كما في العلاقات الدولية. والبلد ليس سوى في بداية الطريق”.
يقال عن الهند إنها “أكبر ديمقراطية في العالم”، وهي تفتخر بهذه الصفة، ويقال عن الصين “إنها أكبر نظام استبدادي في العالم”، ولكن الصين لا تعلن عنه. إلا ان الأمر ليس بمثل هذه البساطة. فالباحثة ترى أن “الصين والهند استطاعتا، في تاريخهما الألفي، كل واحد على طريقته، قدرة لا جدال حولها على امتصاص وإثراء الثقافات القادمة من أماكن بعيدة، بالإضافة إلى التسامح الديني. ولكن طريقيهما في الوصول إلى الاستقلال، في أواسط القرن العشرين، في المقابل، اختلفا بشكل واضح”. ولكن خصائص البلدين مختلفة أيضا، وبالتالي لا يمكن أن يتم التعامل بنفس المقياس. فالصين لا تعرف نفس التشظي والتنوع الاثني والعرقي الذي تعرفه الهند. و”بطبيعة الحال لا يمكن أن نقارن بكين بنيودلهي في ما يخص مسألة الانتخابات (الشكل الديمقراطي بامتياز)، فهي، أي الانتخابات لا توجد سوى على المستوى المحلي، وفي ما يخص أيضا مسألة الحريات العامة أو الحق النقابي”.
تستعرض الباحثة مسائل كثيرة تمارس فيها الصين رقابة وقمعا كبيرين، من بينها المنشقون وأيضا الرقابة على الانترنت وكذلك الحريات الدينية وخصوصا الرهبان البوذيين، بالإضافة إلى مشكلة التبت. ويشتد الموقف الصيني صلابة في ما يخص التبت، لأن الموقف الصيني الذي لا يقبل الجدل، كما تقول الخبيرة كاتيا بوفيتغيل، يجد مشروعيته في نظر المسؤولين الصينيين من الخوف من بذرة التفكك. فبعد التبت جاءت مشكلة تركستان الشرقية أيضا”. وحين يُنْتقد الصينيون في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، يستحضرون مفهوم “القيم الآسيوية” التي تصلح كحجة للسلطات للحفاظ على هيمنتها. وكما قال المؤرخ جيروم بورغون في مقال موثق: “من وجهة نظر ما يعتبر من قبل المتخصصين الكبار بالأسس المؤسساتية للديمقراطية، فإن الصين كانت متقدمةً على أوروبا إلى حدود نهاية القرن الثامن عشر”.
وأضاف: “لقد حان الوقت لدفن مفهوم “الاستبداد الآسيوي”، الذي جعلت من الصين، من مونيسكيو إلى وايتفوجيل، نوعا من دفّاعٍ، التجسيد لدولة اللا-قانون في مواجهة دولة القانون الغربية”، ولكن الصين مع ذلك كله تحاول أن تتأقلم مع القوانين الدولية. “منذ السياسة المسماة “انفتاح”، ضاعفت السلطات من الإصلاحات الدستورية (خمسة إصلاحات منذ ،1982 مقابل اثنين ما بين 1954 و1982) من أجل تأمين الأسس القانونية في موازاة مع التغيرات الاقتصادية. وحتى كلمة الديمقراطية بدأت تستساغ على الألسن في الصين، فالرئيس هو جينتاو صرح: “بأن تشييد الديمقراطية والتشريع لا يتكيف دائما بطريقة مُرْضية مع إكراهات توسع الديمقراطية الشعبية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولهذا فإن إصلاح النظام السياسي في حاجة إلى أن يتمّ بشكل جذري”.
كما أن ثمة أصواتاً في الحزب الشيوعي الصيني تعبر، من الآن فصاعدا، عن دعمها للدمقرطة. تستشهد الباحثة بما قاله يو كيبينغ، عضو اللجنة المركزية، وباحث في معهد الأبحاث المعاصرة، في كتابه الذي عرف نجاحا منقطع النظير: “الديمقراطية شيءٌ جيد”. يكتب هذا الباحث الصيني: “الديمقراطية ليست كاملة مائة في المائة، فيها الكثير من المساوئ. هي يمكن أن تقود المواطنين إلى الشارع [...] وتجر عدم الاستقرار السياسي، ويمكن أن تقود إلى تعقيد الأشياء التي هي بسيطة [...]، وتمنع من اتخاذ قرارات يمكن أن تكون مفيدة [...]، أو تضليل الرأي العام....ولكن الديمقراطية هي النظام التي يتوفر على مساوئ أقل من بين كل الأنظمة الموجودة في العالم. وكي أقول الأمر بصيغة أخرى، فإن الديمقراطية هي أفضل نظام اخترعته البشرية”.
الصين تتحرك إذاً، ولو أن التحرك أحيانا يبدو بطيئا، والتحركات المجتمعية غالبا ما تكون بطيئة مع التحركات الأخرى. “ثمة مجموعة(صغيرة) من المسؤولين ومن المثقفين تبحث بشكل واضح التشجيع على تحديث سياسي لا يمس بأسس الثقافة والهوية الصينيتين. إنهم يعرفون أن صعود الفردانية (النزوع الفردي)، المرتبطة بالتطور الاقتصادي والمبادلات الدولية يدعو إلى إرساء علاقات جديدة بين الأفراد والمجتمع والدولة. هذا لا يستدعي، بالضرورة، الاصطفاف خلف “أسطورة الفرد” المستقل في علاقاته الاجتماعية أو خلف فكرة “بناء السعادة الشخصية مثل النهاية القصوى”، للفرد وللجميع. إن هذا ما يمنح قيمة وأهمية كبرى للباحث الفرنسي فرانسوا جوليان حين يشير إلى قصور مفهوم “القيمة الشاملة لحقوق الإنسان”، ليس في “وظيفتها التمردية(العصيانية)” التي تسجل فُرْضة التوقيف في ما لا يمكن قبوله”، والذي يُحافظ على كامل قوته، ولكن في “مقصد تعليم كيفية العيش في كل مكان وبالنسبة للجميع”. وهكذا فإن مفهوم “التناغم”، الذي كان هزأة في غالب الأحيان، بين الإنسان والكون، والذي هو في قلب الهوية الصينية، يمكن أن يظهر بنفس الأهمية والمركزية التي لِمفهوم احترام الشخص البشري. وللحقيقة، فإن المفهومين معا، يمكن أن يصبحا متكاملين بشكل شامل، من أجل تشييد ما يسميه يو كيبينغ “ديمقراطية ذات ألوان الصين”، أليس الأمر يتعلق بمسيرة طويلة جديدة؟”
حركة تكتونية على الكوكب الآسيوي
نحن أمام مستجد جديد لأول مرة في التاريخ، وهو أنه توجد ثلاث قوى آسيوية في آن واحد: الصين والهند واليابان.
في الوقت الحالي تزن اليابان مرتين ما تزنه الصين في الاقتصاد العالمي، والتي هي بدورها تزن مرتين ما تزنه الهند. ولكن التنين أثبت، نهاية سنة ،2007 أنه يتوجب أن ندخل في الحساب الاحتياطي المالي الذي أتاح له أثناء الأزمة المالية أن يخرج بأقل الخسائر الممكنة”. وترى الكاتبة ان التأثير لا يُقاس فقط بالإحصاءات الاقتصادية على الرغم من بريقها. فالعلاقات الدبلوماسية والإشعاع الثقافي لهما نفس الأهمية، كما للقوة العسكرية. وحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن الدول الآسيوية الثلاث(الصين/الهند/اليابان) تأتي في المرتبة العاشرة في العالم من حيث الدول التي تصرف الأموال في التسلح: سنة 2006 احتلت الصين المرتبة الرابعة في العالم(خلف الولايات المتحدة الأمريكية ذات الميزانية الأهم عشر مرات، وبريطانيا وفرنسا)، اليابان تأتي في المرتبة المرتبة الخامسة، تجاوزتها الصين لأول مرة؛ الهند تحتل المرتبة العاشرة”.
وفي 11 يناير/كانون الثاني من سنة 2007 قامت الصين بتفجير قمر صناعي، من أجل البرهنة للعالم بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة، بأنه في مجال حرب النجوم يمكن للصين أن يكون لها مكانها. وهو ما فرض على الولايات المتحدة، بعد مرور سنة، أن تفجر هي أيضا قمرا صناعيا في الفضاء. بعد مرور يومين من نفس السنة ،2008 قامت الهند بإطلاق ناجح لأول صاروخ بالستي انطلاقا من غواصة.
“الجميع يستعرض عضلاته”، كما ترى الباحثة. وتضيف شارحة الأمر المعقد: “في المكان الذي تتصور الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وحيدة (مع اليابان وكوريا الجنوبية حليفيها الحميمين) فإن فاعِلَيْن من العيار الثقيل(بكين ونيودلهي) يريدان الحصول على اقتسام للسلطات”.
كل الأشياء بدأت في الصين، إذْ من خلال تحولاتها قامت بتحويل العالم. لحدود الأمس كانت مغلقة، فانفتحت على الرساميل الأجنبية. وفي الوقت الذي كانت متهمَة برفع قبضتها إلى الأبد، مدّت يدها مٌرغمةً جيرانها أن يقوموا بنفس الشيء”.
في أوج الأزمة المالية الآسيوية لسنتي 1997-،1998 لم تقم الصين فقط بمقاومة الانهيار الشامل، ولكن حكومتها قدمت قروضا بفائدة زهيدة للعديد من “التنينات”، التي كانت في ظروف صعبة. وهو ما منحها رأسمالا من التعاطف من قِبَل الجيران، الذين كانوا إلى وقت قريب قلقلين من صعود هذه القوة العملاقة التي بالكاد خرجت من الماوية”.
اليابان، بدورها، التي كانت مانحا كبيرا للصين في ميدان الدعم العام للتنمية، قدّرت أن الصين تحور هذه المساعدات وتستخدمها لأهداف ترمي لتهميش اليابان نفسها. ومنذئذ قلصت اليابان من مساعداتها للصين كي تصبح أكبر مانح للهند.
تقول الكاتبة ان الصين دولة عظمى وتريد أن تلعب دورها كاملا، ومن هنا “تراهن على المؤسسات متعددة الأطراف وفي الوقت نفسه تطور شراكات ثنائية: آسيا الوسطى حيث تحاول الولايات المتحدة بسط نفوذها(العسكري والسياسي). وقد عملت السلطات الصينية على خلق منظمة تعاون شنغهاي، (15 يونيو/حزيران 2001)، مع روسيا وأربع جمهوريات من آسيا الوسطى كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان- التي هي أعضاء في رابطة الدول المستقلة. وكما هو التقليد الصيني، فإن التجارة والسياسة تسيران جنبا إلى جنب. ومنذ ولادة هذه المنظمة عرفت المبادرات التجارية مع الدول الخمس ارتفاعا بنسبة 212 في المائة، مرتقية إلى 7،37 مليار من الدولارات سنة ،2005 بينما تضاعفت الاستثمارات الصينية أربع مرات خلال نفس الفترة، كي تنتقل إلى 8 مليارات من الدولارات”.
وباعتبارها دولة عظمى فهي تعبر كما روسيا عن قلقها من الوجود الأمريكي والغربي في أفغانستان والمنطقة، كما أنها متفقة مع الدول الآسيوية الخمس على محاربة الحركات الإسلاموية التي تدخل في دائرة الحركات “الاستقلالية”.
من بين أهداف منظمة شنغهاي للتعاون، نقرأ: “محاربة الإرهاب والانفصال والتطرف”.
إن الصين بشكل عام تحاول أن “تفرض نفسها في آسيا وتبرهن على كونها ضروريةً في شؤون الكرة الأرضية، بما فيها الشؤون التي يتعامل معها عادة “كبار” العالَم. وهو ما نجحته في كوريا الشمالية. وقد نجحت في ليّ ذراع جارها الديكتاتوري والحليف. ومع الاتفاق السداسي حول الأزمة النووية الكورية الشمالية، تكون الصين قد ولجت عالم الكبار، بالفعل. حيث إن دورها كان حاسما، وذلك يرى من خلال الزيارات التي لم تنقطع للمسؤولين الأمريكيين إلى بكين.
تقول الباحثة: “المسؤولون الصينيون برهنوا على قدرتهم على وضع الصين في مسرح الكبار، وعلى قدرتهم على العمل من أجل الأمن العالمي”.
الرقص الثلاثي
يلخص رئيس الوزراء الصيني تاريخ العلاقات الصينية الهندية بقوله: “خلال ألفي ومائتي سنة الأخيرة أو لنقل، خلال 99،9 في المائة من الوقت- أرْسينا تعاون صداقة بين بلدينا”.
وبالفعل إذا ما أردنا دراسة العلاقات ما بين القوتين والجارين، فإنها تميزت بكثير من الصداقة والتعاون، ابتداء من طريق الحرير الأسطورية. كما يمكن استحضار ترجمة النصوص السنسكريتية إلى اللغة الصينية التي جعلت البوذية تشتهر في الصين، أو جمعية علم الفلك الصينية التي كان يسيّرها هندي.
بعد هذه الفترة كان الصينيون والهنود لا يزالون يغنون وينشدون: “هندي شيني بهايي بهايي”(هنود وصينيون إخوان”،ولكن الظرف اليوم ليس ورديا، بعدُ، في العلاقات بين الجارين. فالحرب الحدودية لا تزال في الأذهان، وهو ما يسبب جرحا جماعيا. كما أنه توجد خشية هندية من الهيمنة الصينية على المنطقة. ولكن زيارة رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ إلى الصين في يناير 2008 فتحت مرحلة جديدة وهادئة من العلاقات.
وترى الكاتبة ان الولايات المتحدة الأمريكية لا تعرف بالضبط ما تقوم به حيال الصين. وهو ما تلخصه بالقول: “المشكل هو معرفة ما إذا كان المسؤولون الأمريكيون - مسؤولو اليوم وغداً- يريدون الحفاظ على نظارات الماضي أو النظر، حقيقة، إلى عالَم يتحرك. وهو ما يترجمه المحلل روبرت سوتير بقوله: “لقد تغيرت الصين، والعالم أصبح مرتبطا بعضه ببعض، وبالتالي، يتوجب تشجيع التعاون والتوافق مع مراكز السلطة في العالم” أو على العكس، “تظل الولايات المتحدة عند خرائطها القديمة للتفكير ومؤداها أن الصين تريد مضاعفة مصالحها وتظل مُعارِضةً للولايات المتحدة”. هذا هو تحدي القرن الواحد والعشرين: الخروج من المواجهة الألفية بين القوى، إمبراطورية تحل محل إمبراطورية أخرى، من أجل السير نحو التعاون(على الرغم من صراعيته، أحيانا) بين أقطاب التنمية الذين يحترم بعضهم بعضاً. ولحد الساعة فإن الطريق القديم هو الذي يسود في واشنطن وفي طوكيو. ولكن لا أحد يستطيع أن يؤكد أن هذا الطريق سينجح في نيودلهي”.
وكخاتمة للكتاب، المليء بالتفاصيل، وبالتقصي، تكتب الباحثة: “إن صورة الولايات المتحدة في العالم، لا تساعد على عملية تجميل الفيل الهندي. فحسب استطلاع للرأي أجري في سبعة وأربعين بلدا من آسيا ومن إفريقيا، لقيت الولايات المتحدة الأمريكية تعاطفا أقل من الصين. صحيح أنه يتوجب الحذر من هذه الاستطلاعات للرأي العام، وفي المقابل يجب تقدير التطورات أكثر من المعطيات المطلقة. لكن الهيمنة الأمريكية، مع ذلك، تظل مصدرا من مصادر القلق. وهو ما يمكن أن يدفع الأوروبيين إلى لعب ورقة الابتكار الجيو-سياسي، إذْ لن يكونوا إلا رابحين في عالم متعدد الأقطاب.
ونحن ننتهي من قراءة هذا الكتاب سمعنا أن الصينيين عبروا عن امتعاضهم بل وقلقهم من التعاون النووي الجديد بين الهند والولايات المتحدة الأمريكية. والكثير من الملاحظين رأوا في الأمر وضع قدم أمريكية على مقربة من الصين. هل هو وضع الصين بين فكي كماشة؟ لكن الهنود لم يقولوا بعد كلمتهم، ويستطيعون أن يجترحوا معجزات، ثم إن الجار لا تختاره أنت، إنه أبدي، قبلت أم رفضت.
الكتاب مفيد لأنه يؤكد أنه يوجد بديل عن العلاقات الصراعية ما بين الجيران، وهو بديل التعاون أو حتى التنافس الشريف. وهو درس لبلداننا العربية.
حقوق النسخ © بواسطة . جميع الحقوق محفوظة. موقع الصين بعيون عربية جميع الحقوق محفوظة.